• اخر تحديث : 2026-09-28 16:01
news-details
إصدارات الأعضاء

في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله، لا تستعاد سيرة الرجل بوصفها سيرة قائد سياسي وأمين عام لحزب الله اللبناني فحسب، وإنما بوصفها مرحلة طويلة من تاريخ المنطقة، تركت آثارها في السياسة والأمن والمقاومة، وفي طبيعة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفي المشهد الإقليمي الذي شهد خلال العقود الماضية تحولات عميقة ومتسارعة.

في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2024، استهدفت غارة إسرائيلية مقر قيادة حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأُعلن في اليوم التالي عن مقتل نصر الله. وكان رحيله نهاية مرحلة قيادية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، قاد خلالها الحزب في محطات مفصلية، من الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، إلى حرب عام 2006، وصولاً إلى سنوات الصراع الإقليمي التي تلت ذلك.

لكن الحديث عن حسن نصر الله بعد عامين من غيابه لا ينبغي أن يختزل في مشهد الحرب وحده. فقد كان الرجل، إلى جانب حضوره العسكري، شخصية سياسية شديدة التأثير، عُرفت بخطابها المباشر وبقدرتها على مخاطبة جمهوره وخصومه في آن واحد. وكانت خطاباته تُتابع على نطاق واسع داخل لبنان وخارجه، حتى إن خصومه كانوا يتابعون مواقفه باعتبارها مؤثرة في اتجاهات الصراع والسياسة في المنطقة.

 

سياسة الهدوء في مواجهة الأزمات
من أبرز ملامح شخصية نصر الله السياسية اعتماده في كثير من خطاباته على الهدوء والتدرج، خصوصاً في القضايا التي كانت تنطوي على احتمالات عالية للتصعيد.
لم يكن الهدوء عنده يعني غياب الحزم، بل كان جزءاً من إدارة الموقف السياسي. كان يترك مساحة للمناورة، ويقدم رسائله في عبارات محسوبة، ويوازن بين لغة التهديد ولغة الدعوة إلى الحوار عندما تقتضي الظروف ذلك.

وهنا تكمن إحدى السمات التي جعلت حضوره السياسي مختلفاً عن كثير من الشخصيات التي ظهرت في المنطقة خلال العقود الماضية؛ إذ لم يكن يعتمد على كثرة الظهور بقدر اعتماده على أن يكون ظهوره مرتبطاً بحدث أو موقف يرى أنه يستحق التعليق.

لقد أدرك مبكراً أن السياسة ليست مجرد رفع الشعارات، وإنما هي أيضاً القدرة على قراءة اللحظة، وتحديد الأولويات، ومعرفة متى يكون الكلام ضرورياً ومتى يكون الصمت أكثر دلالة.

القضية الفلسطينية في خطابه
كانت فلسطين حاضرة بصورة مستمرة في خطاب نصر الله السياسي. ومع اندلاع الحرب في غزة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخل حزب الله في مواجهة مع إسرائيل عبر الحدود اللبنانية، وقال نصر الله إن هذا التحرك يأتي في إطار دعم غزة والقضية الفلسطينية.

وبالنسبة إلى أنصاره، كان هذا الموقف امتداداً لمشروع سياسي يعتبر مواجهة الاحتلال الإسرائيلي قضية مركزية لا تخص الفلسطينيين وحدهم.

وفي المقابل، واجه هذا الدور انتقادات حادة داخل لبنان والمنطقة، خصوصاً بشأن السلاح ودور حزب الله في الصراعات الإقليمية، كما أثارت مشاركة الحزب في الحرب السورية جدلاً واسعاً حول طبيعة دوره الإقليمي. وهذه الوقائع جزء أساسي من الصورة التاريخية الكاملة لنصر الله، ولا يمكن تجاهلها عند قراءة تجربته بموضوعية.

بين السياسة والمقاومة
كان نصر الله يتحرك في مساحة شديدة التعقيد: مساحة تجمع بين العمل السياسي اللبناني، والعمل العسكري، والخطاب الديني، والعلاقات الإقليمية.

وهذا التداخل هو الذي جعل تقييم تجربته مختلفاً باختلاف المواقف السياسية. فأنصاره رأوا فيه قائداً واجه إسرائيل وحافظ على خيار المقاومة، بينما رأى خصومه أن اتساع الدور الإقليمي لحزب الله أدى إلى تعميق الانقسامات داخل لبنان والمنطقة.

ولهذا فإن قراءة تجربته بعد رحيله تحتاج إلى الابتعاد عن الاختزال؛ فلا يمكن فهم شخصية بهذا الحجم من خلال صورة واحدة أو موقف واحد.

القيادة التي تركت أثراً
استطاع نصر الله خلال فترة قيادته أن يحافظ على موقع مركزي داخل حزب الله، وأن يحوله إلى قوة سياسية وعسكرية ذات نفوذ إقليمي واسع. وتصف تقارير صحفية قيادته بأنها كانت عاملاً رئيسياً في بناء نفوذ الحزب وتوسيع حضوره السياسي والعسكري.

لكن القيادة، مهما بلغت قوتها، تبقى جزءاً من مؤسسة أكبر ومن ظروف تاريخية تتجاوز الأشخاص.

ومن هنا فإن السؤال بعد عامين من رحيله ليس فقط: ماذا خسر حزب الله برحيل نصر الله؟ بل أيضاً: كيف ستتعامل المنطقة مع إرث مرحلة كاملة كان أحد أبرز رموزها؟

الاستشهاد لا ينهي الفكرة
في الوعي السياسي لأنصاره، لم يكن استشهاد نصر الله نهاية لمشروع المقاومة، بل تحولاً في مسارها. أما في القراءة السياسية الأوسع، فقد كان مقتله حدثاً غيّر معادلات القيادة داخل حزب الله وأعاد فتح النقاش حول مستقبل الحزب ودوره في لبنان والمنطقة. وقد أشارت تحليلات صدرت عقب مقتله إلى أن رحيله شكّل ضربة كبيرة للبنية القيادية للحزب، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن التنظيم يمتلك بنية مؤسسية تتجاوز شخص أمينه العام.

وهنا تبرز حقيقة تاريخية يعرفها الجميع: القادة يرحلون، لكن الأفكار والمشاريع السياسية لا تنتهي بالضرورة برحيل أصحابها. فقد تتحول إلى مؤسسات، أو ذاكرة جماعية، أو خطاب سياسي، أو تجربة تستمر في التأثير في الأجيال اللاحقة.

عامان على الغياب
بعد عامين، يبقى حسن نصر الله اسماً حاضراً في المشهد السياسي العربي، سواء عند مؤيديه الذين يرون فيه رمزاً للمقاومة ونصرة فلسطين، أو لدى خصومه الذين يحملون رؤية مختلفة تماماً لدوره وسياساته.

وهذا الاختلاف نفسه يؤكد حجم الحضور الذي تركه الرجل.

لقد كان نصر الله واحداً من الشخصيات التي لا يمكن تجاوزها عند كتابة تاريخ المنطقة في العقود الأخيرة؛ فقد ارتبط اسمه بمحطات كبرى، من جنوب لبنان إلى فلسطين وسوريا والعراق واليمن، وبمرحلة إقليمية شهدت صعود قوى غير حكومية إلى جانب الدول والجيوش التقليدية.

وفي ذكرى استشهاده الثانية، ربما تكون الرسالة الأهم أن السياسة لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي يعيشها أصحابها، وإنما بما يتركونه من أثر في التاريخ.

رحل حسن نصر الله جسداً، لكن صورته السياسية بقيت حاضرة في سجال المنطقة: بين من يراه قائداً للمقاومة، ومن يراه طرفاً في صراعاتها، وبين هذين الموقفين تبقى تجربته مادة مفتوحة للباحث والمؤرخ والقارئ.

إنها سيرة رجل عاش في قلب العاصفة، وقاد في زمن بالغ التعقيد، وترك خلفه إرثاً سياسياً وعسكرياً وفكرياً ستظل المنطقة تناقشه طويلاً.

عامان على الغياب... لكن الأسئلة التي تركها حسن نصر الله وراءه لم تغب.