• اخر تحديث : 2026-09-28 16:01

الحديث عن شهيد الأمة الأسمى السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) حديث ذو شجون، فشخصيته كلٌّ لا يتجزأ، منحه الله من الكمال ما يعجز اللسان عن وصفه، ومع ذلك سنسعى لتسليط الأضواء على بعض مواقفه ذات البعد الاستراتيجي، وتحديداً ما يتعلق منها بموقفه من اليمن.

لم يكن اليمن في فكر سماحة السيد حسن نصر الله مجرد حيز جغرافي يعيش أوضاعاً حرجة في ظل التدخلات الدولية التي حاولت الانحراف به عن مساره القومي ودوره التاريخي والحضاري وحسب، ولم تكن معرفة سماحة السيد باليمن مجرد قراءة تاريخية عابرة لبلد أثقلته الصراعات وتنكّر الزمن لمواقف أبنائه في نصرة الدين والرسالة على امتداد تاريخ الإسلام، فسماحة السيد عندما يتصفح التاريخ لا يكتفي بتقليب أوراقه والاستمتاع بسردياته دون أن يتعب التاريخ نفسه تحليلاً وتمحيصاً ونقداً، ولهذا فهو يرى في اليمن أصول الأوس والخزرج الذين تكفلوا بحماية الإسلام ورسول الإنسانية المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله عندما تظافرت قوى الشر على محاربته، كما يرى في سمات شخصيات أنصار الله المجاهدين ذلك الامتداد الحقيقي لأنصار الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام من أهل اليمن في صفين والجمل والنهروان وغيرها.

 

ومنذ انطلاقة بواكير ثورة الشعب اليمني وحتى تتويجها بالانتصار العظيم في الحادي والعشرين من سبتمبر العام 2014م والسيد نصر الله حاضراً وبقوة في المشهد اليمني مباركاً ومدافعاً ومسانداً، لأنه أدرك أن تلك اللحظة التاريخية التي سطر فيها أهل اليمن انتصار ثورتهم إنما كانت لحظة ميلاد جديد لشعب وصفه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بقوله: "الإيمان يمان والحكمة يمانية"، ولهذا فانتصار ثورة الشعب من وجهة نظر السيد نصر الله كانت عودة حقيقية للأصل اليماني الذي حرص الأعداء على تغييبه على امتداد عقود وعقود حتى لا ينهض، وعلى هذا الأساس تعامل سماحة السيد رضوان الله عليه.

ومنذ اليوم الأول للعدوان السعودي الأمريكي على اليمن ظهر السيد نصر الله مسانداً ومؤيداً للموقف اليمني المتصدي للعدوان بقيادة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"، وفي الوقت نفسه تكفل سماحة السيد نصر الله بفضح مؤامرات الأعداء ضد اليمن وثورته المجيدة، إلى جانب تسليط الأضواء على المقاتل اليمني وشجاعته وصموده.

لقد استطاع سماحة السيد نصر الله بخطاباته المساندة لليمن ومواقفه الخالدة أن يعيد تشكيل المشهد، وتفنيد سردية العدو التضليلية التي تعمد فيها شيطنة أنصار الله في اليمن وترميز مرتزقته وعملائه في الداخل اليمني، وبذلك تمكن سماحة السيد نصر الله من فضح أكذوبة الشرعية المزعومة التي برر الأعداء بها عدوانهم الظالم على اليمن نهاية مارس العام 2015م.

وإذا كان تحالف الشر والعدوان السعودي الأمريكي قد وظف إمكاناته المادية والإعلامية ومنابره الدينية للنيل من أنصار الله والمقاتلين اليمنيين لتمرير وتبرير جرائمه ضد الإنسانية على أرض اليمن، فإن سماحة السيد نصر الله قد نصب نفسه مدافعاً عن اليمن واليمنيين في كل محفل، وضمن كل خطاب، ويكفي اليمنيين فخراً اعتراف سماحة السيد نصر الله بعروبة اليمن وانتمائهم الديني عندما أطلق مقولته المشهورة: "إذا لم يكن أهل اليمن عرباً فمن العرب؟"، وهي مقولة ستظل وساماً على صدور اليمنيين على امتداد التاريخ.

وفيما يتعلق بعلاقة السيد نصر الله بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي فهي علاقة أخوية جهادية يجمعها الولاء لأهل البيت سلام الله عليهم من جهة، والمنطلقات الدينية والإنسانية التي جعلت من كل واحد منهماً نصيراً لكل مظلوم على سطح المعمورة، وما موقفهما من العدوان الإسرائيلي على "غزة" سوى تجسيد لتلك المبادئ الإنسانية والدينية الخالدة التي تمتع بها السيدين.

لقد وجد سماحة السيد نصر الله "رضوان الله عليه" في السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله" ذلك المجاهد المؤمن الذي يُشكِّل الامتداد الحقيقي لمسيرة جدهما الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه الجهادية، فالمنطلقات القرآنية التي تأسس عليها المشروع القرآني والمسيرة القرآنية هي ذاتها التي رفعت راية الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء ضد طواغيت بني أمية، وما بين طواغيت الأمس واليوم تشابه كبير في المنطلقات والأهداف وإن اختلفت وسائل محاربة الحق والتصدي له، فطواغيت اليوم هم الامتداد الحقيقي لطواغيت الأمس، فلكل زمان يزيد، ولكل راية حق حسين.

إن الراية اليمانية التي رفعها ساحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله" في وجه أمريكا وأذنابهم من دول الخليج قد استطاعت أن تعيد للأمة أمجادها، وأن تحيي فريضة الجهاد في سبيل الله تعالى من جديد بعد أن غيبتها الفتاوى التكفيرية والتبعية السياسية للغرب الاستكباري، ولهذا لم يكن السيد عبد الملك الحوثي في نظر السيد نصر الله مجرد قائد ثوري يسعى لتحرير الأرض من المحتلين وحسب، بل وجد فيه بارقة أمل الأمة نحو التحرر الكامل من قيود الهيمنة والاستكبار الغربي، وجد فيه القائد المؤمن الشجاع المرتبط بكتاب الله تعالى وعياً وبصيرة، والمدافع عن الأمة، والمتصدي لمؤامرات الأعداء بكل قوة وبصيرة واقتدار، ولهذا كانت أمنية سماحة السيد نصر الله "رضوان الله عليه" أن يكون جندياً مقاتلاً تحت راية سماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، وهو مقولة لم يطلقها السيد نصر الله جزافاً وهو الحكيم الرباني والقائد الخبير والمحنك، وإنما أطلقها عن ثقة بأن مستقبل الأمة ومصيرها قد أصبح مرهوناً باليمن وأنصارها وقائهم العظيم.

سيظل سماحة السيد حسن نصر الله "رضوان الله تعالى عليه" حاضراً في الوجدان الجمعي اليمني كقائد حر شجاع، ومجاهد مؤمن تحدى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق والدفاع عن المستضعفين، وله مكانته الخاصة في قلب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، والذي يرى في استشهاده خسارة كبيرة للأمة الإسلامية، فهو الامتداد الحقيقي لتاريخ الجهاد العلوي، وهو القرآني الذي نكّل باليهود وجرعهم الويلات، وهو المعلم الأول للثورة والجهاد، وهو حاضر في خطابات السيد القائد في أغلب المناسبات، فهو لم يكن مجرد شخصية عابرة على صفحات التاريخ، وإنما كان صاحب بصمة وموقف سيخلده التاريخ إلى الأبد.

فسلام الله على روح سماحة السيد القائد نصر الله يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.