تُظهر الدراسات والتحليلات الصينية أن التصعيد العسكري في اليمن يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، مشكّلًا "جبهة ثانية" ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحرب التي تشمل الولايات المتحدة والكيان المؤقت وإيران، مع احتفاظه في الوقت ذاته بقدر كبير من الاستقلالية. وتنظر هذه التحليلات إلى الأزمة اليمنية باعتبارها نتاجًا لتراكمات تاريخية طويلة، شملت التنافسات الإمبراطورية والسياسات الاستعمارية والانقسامات الداخلية، فضلًا عن التدخلات السعودية المتواصلة في الشؤون اليمنية ، بدءًا من التوسّع الجغرافي والنزاعات الحدودية، مرورًا بدعم القوى الملكية في مواجهة الجمهوريين خلال ستينيات القرن الماضي، ومساندة القوى المناوئة للحكومة المركزية بعد الوحدة اليمنية، وصولًا إلى المواجهات العسكرية المباشرة مع أنصار الله
تشير التحليلات إلى أن التدخل العسكري السعودي بين عامَي 2015 و2022 لم ينجح في القضاء على أنصار الله، بل أدّى إلى استنزاف كبير للموارد العسكرية والاقتصادية للمملكة* ، ودفعها لاحقًا إلى اعتماد سياسة خفض التصعيد لتوفير بيئة إقليمية ملائمة لتنفيذ "رؤية 2030"
ومع تجدّد المواجهة، برزت محدودية القدرة السعودية على تحقيق الحسم العسكري، في مقابل امتلاك أنصار الله قدرات عسكرية وموقع جغرافي مؤثر في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يمنحهم القدرة على التأثير في صادرات النفط السعودية ورفع الكلفة الأمنية والاقتصادية للحرب
كما كشفت المواجهات، وفق هذه القراءات، عن أخطاء في التقدير الاستراتيجي السعودي، تمثّلت في المبالغة بقدرة الولايات المتحدة وباكستان وتركيا على توفير الحماية، والاستمرار في الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية رغم تراجع الوجود العسكري الأمريكي
ترى التحليلات أن تفعيل "تحالف مكة الدفاعي" يعكس تحوّلًا في الأنماط التقليدية للتحالفات وديناميكيات الأمن الإقليمي، لكنه يواجه قيودًا تتعلّق باختلاف منظومات التسليح والتنسيق والقيادة، فضلًا عن محدودية المشاركة العسكرية المباشرة لتركيا وباكستان. ولذلك، فإن تعزيز الدفاعات السعودية لا يعني بالضرورة إضعاف القدرات الهجومية لأنصار الله أو ضمان أمن المملكة واستقرارها على المدى الطويل.
وفي المقابل، لا تستبعد التقديرات الصينية أن تدفع الهجمات على المنشآت السعودية وسقوط ضحايا أمريكيين واشنطن إلى تنفيذ ضربات محدودة، مع بقاء أي تدخل محكومًا بمخاطر الاستنزاف واعتبارات المواجهة مع إيران، ومن دون ضمان قدرته على تغيير السلوك العسكري لأنصار الله
أما على المستوى الإقليمي، فتربط التحليلات بين التصعيد في اليمن والمواجهة الأمريكية الإيرانية، معتبرةً أن الضغط اليمني على السعودية يخدم المصالح الإيرانية ويمنح طهران أوراقًا إضافية في مفاوضاتها مع واشنطن، خصوصًا في ظل تراجع فاعلية استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط
لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن إيران لا تتحكّم بصورة كاملة بقرارات أنصار الله، الذين يمتلكون مصالح وأهدافًا مستقلة داخل اليمن، وأن عرض طهران الوساطة مع السعودية يعكس رغبتها في تجنّب اتساع الحرب إلى مواجهة إقليمية أشمل
وبناءً على ذلك، تتجه التقديرات الصينية إلى ترجيح استمرار الصراع في مسار طويل ومعقّد، مع صعوبة تحقيق حسم عسكري شامل أو تسوية سياسية قريبة، في ظل استمرار الضربات المتبادلة وتزايد تعقيدات المشهد الأمني والإقليمي