• اخر تحديث : 2026-02-26 14:16
news-details
إصدارات الأعضاء

عقيدة الربط الإيرانية: نموذج مستلهم من قصة النبي موسى في مواجهة "فراعنة العصر": قراءة استراتيجية في أسرار صمود طهران رغم العقوبات والحروب


مقدمة 
في الوقت الذي تراهن فيه واشنطن وحلفاؤها على أن سياسة “الضغوط القصوى” كفيلة بدفع إيران إلى الانكفاء أو الركوع، يقدّم الواقع الإيراني معادلة مغايرة تمامًا. 
 
فبعد أكثر من أربعة عقود من العقوبات المشددة، وحرب مفروضة استمرت ثماني سنوات، وموجات متلاحقة من التهديدات العسكرية والاغتيالات والحصار الاقتصادي، لا تزال الجمهورية الإسلامية صامدة، بل فاعلة ومؤثرة في معادلات الإقليم. 
 
 
هذا الصمود لا يمكن تفسيره ضمن منطق القوة العسكرية التقليدية أو الحسابات الاقتصادية المجردة، ما يفرض سؤالًا استراتيجيًا أعمق: ما مصدر هذه القدرة على الثبات والتحول من الاستهداف إلى التأثير؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا ينطلق هذا التحليل من المقاربات الواقعية الكلاسيكية وحدها، بل يعود إلى الإطار الفكري المؤسِّس الذي حكم التجربة الإيرانية منذ انتصار الثورة، والمتمثل في فهم خاص لـ السنن الإلهية بوصفها قوانين حاكمة لحركة التاريخ، كما بلورها الإمام الخميني وحوّلها من مفهوم قرآني نظري إلى مشروع سياسي–حضاري عملي.
 
في رؤية الإمام الخميني، لم تكن السنن الإلهية مواعظ أخلاقية أو تجريدات فلسفية، بل قوانين صارمة تحكم صعود الأمم وسقوطها بصرامة تضاهي القوانين الطبيعية؛ لا تحابي قوة ولا تستثني أمة. 
 
فالنصر، وفق هذا المنظور، لا يُمنح كخرق غيبي منفصل عن الواقع، بل يتحقق عندما يستوفي الإنسان شروطه الموضوعية: تحول نفسي جذري، واستقامة في الفعل، ووحدة في الإرادة، واستعداد لتحمّل كلفة المواجهة. 
ومن هنا، تصبح سنة “تغيير ما بالنفس” شرطًا سابقًا لأي تغيير حقيقي في موازين القوة على الأرض.
 
انطلاقًا من هذا الفهم، أعاد الإمام الخميني صياغة معادلة القوة في العلاقات الدولية، كاسرًا احتكارها المادي والعسكري، ومؤسسًا لرؤية تعتبر أن الفعل الإنساني الواعي هو المفتاح العملي لتفعيل السنن الإلهية. 
 
 فالإيمان، في هذا السياق، لا يُختزل في البعد الغيبي، بل يتحول إلى طاقة دافعة للتخطيط، والعمل، والصبر الاستراتيجي، واستثمار الجغرافيا والاقتصاد والأمن ضمن مشروع متكامل؛ هكذا يتحول الغيب من بديل عن العمل إلى يقينٍ موجِّهٍ له، وتغدو العقيدة عنصرًا محركًا للتاريخ لا خطابًا تعبويًا مجردًا.
 
وتزداد هذه الحقيقة وضوحًا وتجليًا في هذا الشهر المبارك، حيث تعود السنن الإلهية إلى الواجهة بوصفها منطقًا عمليًا للفهم والتحرك، لا مجرد موضوع للوعظ.  
وهو ما تؤكده بجلاء المحاضرات الرمضانية التي يقدّمها السيد عبدالملك الحوثي (يحفظه الله)، إذ يُعاد فيها ربط الإيمان بالفعل، والوعي بالمسؤولية، واليقين بالحركة، في تأكيد متجدد على أن وعد الله لا يتخلف متى استوفت الأمة شروطه، وأن السنن الإلهية فاعلة في كل زمان، لا تُعطَّل، ولا تُحابِي، ولا تُجامل المتقاعسين.
 
من هذا الأساس الفكري، تنطلق قراءة الباحث عدنان عبدالله الجنيد لتجربة إيران المعاصرة، مستلهمة النموذج القرآني في قصة النبي موسى عليه السلام، لتؤسس لما يسميه “عقيدة الربط” أو “استراتيجية الربط على القلوب”؛ وهي مقاربة تتجاوز التحليل العسكري التقليدي نحو فهم أعمق لمعادلات الصمود والتمكين. 
 
فكما شكّل “الربط على القلب” في القصة القرآنية شرط النجاة وبداية التحول التاريخي، تمثل هذه العقيدة في الواقع المعاصر الإطار الناظم لتحويل الاستضعاف إلى قوة، والضغط إلى فرصة، والتهديد إلى عنصر بناء في مشروع طويل النفس.
 
وعليه، لا تُقرأ التجربة الإيرانية هنا بوصفها حالة استثنائية، بل كنموذج تطبيقي حي لسنن إلهية أُعيد بعثها في السياسة الحديثة؛ حيث يُربط القلب باليقين، وتُربط الإرادة بالفعل، وتُربط السنن بحركة التاريخ، فتتحول سنوات الحصار والحرب من مسار استنزاف إلى مختبر لإنتاج القوة.
 
 ومن هذا المدخل، يتناول المقال تفكيك “عقيدة الربط” الإيرانية، بوصفها إطارًا استراتيجيًا لفهم سر صمود طهران، وقدرتها على مواجهة قوى تفوقها ماديًا، لكنها تعجز عن كسر إرادتها أو تعطيل مسارها التاريخي.
 
أولاً: الردع الإدراكي – عندما يتحول "الرعد" إلى سراب
 
يركز الكاتب على البعد النفسي كأحد أهم أدوات الصمود، مستنداً إلى الآية القرآنية: {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10]. فكما أن أم موسى نجت من محنة إلقاء رضيعها في اليم بفضل "الربط على القلب" الذي منحها سكينة عظيمة، فإن الشعوب المستضعفة اليوم قادرة على تجاوز مخاوفها عبر الإيمان الراسخ.
 
التطبيق الميداني:
 
يرى الجنيد أن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المتكررة، والتلويح الدائم بالخيار العسكري، لا تعدو أن تكون "رعداً بلا مطر". فالشعب الإيراني الذي صمد أمام حرب مفروشة استمرت ثماني سنوات (1980-1988)، وقاوم عقوبات اقتصادية امتدت لأربعة عقود، يقدم نموذجاً حياً على أن "الصمود النفسي المستمد من الإيمان" يحبط تهديدات الهيمنة.
 
مثال ملموس: محاولات اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين لم تؤدِ إلى تراجع البرنامج النووي، بل حولت الشهداء إلى أيقونات وطنية زادت من إصرار الأجيال الجديدة على مواصلة المسير.
 
ثانياً: هندسة الأدوار – شبكات لامركزية تعجز القوة التقليدية عن قراءتها:
 
يتجاوز التحليل الجانب النفسي إلى البنى التنظيمية، مستلهماً "عبقرية توزيع المهام" في قصة موسى عليه السلام، حيث نجد شبكة أدوار متكاملة:
 
امرأة فرعون: تمثل الاختراق السياسي والقدرة على التأثير من داخل دوائر صنع القرار في قلب العاصمة.
أم موسى: ترمز إلى الإيمان العملي والتدبير اللوجستي المحاط بالسرية والتوكل المطلق في أحلك الظروف.
 
أخت موسى: تجسد وحدة "الرصد والاستخبارات الميدانية"؛ فكانت عين المشروع التي تتحرك بذكاء وتدخل في اللحظة المناسبة لتوجيه المسار.
 
التطبيق الميداني والمدد الإلهي
 
يتجسد اليقين بالمعية الإلهية في قوله تعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} [طه: 46]، وهي القاعدة التي استند إليها الإمام الخميني في كسر هيبة "الشيطان الأكبر"، حيث تحول الخوف من القوة المادية إلى ثقة مطلقة بالقدرة الإلهية.
 
واليوم، يقود محور المقاومة هندسة أدوار إقليمية مماثلة تعيد رسم خارطة القوة:
فلسطين: تحويل الحصار إلى ابتكار عبر صواريخ دقيقة قلبت موازين الاشتباك مع الكيان الصهيوني.
 
لبنان: مدرسة حزب الله التي أسست لقوة ردع استراتيجية جعلت الحدود الشمالية للكيان جبهة مستحيلة الاختراق.
 
اليمن: الدور المحوري لأنصار الله الذين أذهلوا العالم بقدرتهم على إذلال البحرية الأمريكية في البحر الأحمر، وإغلاق الممرات الحيوية (ميناء إيلات)، وصولاً إلى استهداف عمق الكيان بالصواريخ المتطورة ضمن معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس" نصرةً لغزة.
 
النتيجة: عمى الطغاة والحتمية التاريخية
 
إن القوة العسكرية التقليدية، رغم ضخامتها، تبقى عاجزة عن قراءة مشهد تتحكم فيه "سنن إلهية" لا تخضع للحسابات البشرية.
 
 والتاريخ يعيد نفسه في سيكولوجية الطغاة؛ فكما لم يستوعب فرعون معجزة "انفلاق البحر" ظناً منه أن بإمكانه اللحاق بموسى حتى غرق، يكرر "فراعنة العصر" نفس الخطأ اليوم؛ فلا يعتبرون من الهزائم ولا يدركون أن استمرارهم في الغي هو استدراج لغرق محقق.
 
الخلاصة: إن المشهد الميداني اليوم يثبت أن "السنن الإلهية" ماضية، وأن النهاية الحتمية لكل جبار هي الغرق في بحر إرادة الشعوب المؤمنة، ليبقى الهتاف الأخير: "آمنا برب موسى وهارون
 
ثالثاً: الأداء الأمني – سرية تتحدى التكنولوجيا:
 
يستلهم الكاتب من قوله تعالى عن أخت موسى: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص:11] درساً استراتيجياً في أهمية السرية والتخطيط الصامت. فحفظ الأسرار وضبط النفس ليس خوفاً، بل احترافية إيمانية.
 
التطبيق الميداني:
 
الجهاز الأمني الإيراني، المستمد من عقيدة اليقظة والسرية، أثبت نجاحه في التصدي لمحاولات الاغتيال والتجسس السيبراني. كل محاولة للعدو تصطدم بخطة محكمة، مما يحير الطغاة الذين لا يدركون كيف تُحفظ الأسرار رغم تفوقهم التكنولوجي.
 
أمثلة معاصرة:
 
· إحباط محاولات الاستهداف المباشر للعلماء النوويين عبر شبكات استخباراتية معقدة.
· كشف محاولات الاختراق السيبراني التي تستهدف مشاريع الصواريخ الدقيقة والبنية التحتية الحيوية، وتحويلها إلى فرص لتطوير الدفاعات السيبرانية الإيرانية.
 
رابعاً: الحتمية الإلهية – تحويل العقوبات إلى فرص استراتيجية
 
يصل التحليل إلى أعمق نقاطه من خلال استحضار الآية: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:13]. الله يسخر السنن الكونية لخدمة الحق، ويحول نقاط ضعف العدو إلى ثغرات تنهار عندها مشاريعه.
 
التطبيق الميداني:
 
العقوبات الاقتصادية، مشاريع الفتنة، والضغط النفسي – كلها أدوات لم تكسر إيران، بل حولتها إلى قوة مكتفية ذاتياً:
 الصناعة العسكرية: تطوير الصواريخ الباليستية والمسيرات (الدرونز) بالاعتماد على الإمكانات المحلية، بعد أن منعت العقوبات استيرادها. وأصبحت هذه الصناعات اليوم مصدر قوة ناعمة لإيران عبر تصدير التكنولوجيا لحلفائها.
 
 اقتصاد المقاومة: تعزيز مفهوم "الاقتصاد المقاوم" والاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية (كالتكنولوجيا الحيوية والطيران المسير)، مما حول الحصار الاقتصادي إلى حافز للإنتاج المحلي بدلاً من أن يكون أداة إذلال.
 
خامساً: نموذج متكامل – من الدروس القديمة إلى خريطة عمل للمستضعفين
 
من استقراء السنن الإلهية في قصة موسى، يستخلص الكاتب خطة عمل متكاملة لمواجهة فراعنة العصر:
1- ربط القلوب بالله: مواجهة الضغوط النفسية والاقتصادية بالصبر والثبات (الردع الإدراكي).
2- هندسة الأدوار: توزيع المهام على الأسرة والمجتمع والمجال السياسي لضمان فعالية المقاومة (الشبكات اللامركزية).
3- الأداء الأمني والسرية: حماية المشاريع من الاختراق باليقظة والكتمان (الغموض البناء).
4-  استغلال السنن الإلهية: تحويل كل تهديد إلى فرصة، مع اليقين بأن النصر حليف الصابرين.
 
يؤكد الكاتب أن هذه الأدوات ليست نظرية، بل خرائط عمل للمستضعفين اليوم، سواء واجهوا حصاراً اقتصادياً، حرباً إعلامية، أو تهديداً عسكرياً مباشراً.
 
الخاتمة: 
من الاستضعاف إلى السيادة – نموذج متكامل للصمود:
 
يخلص هذا التحليل إلى أن معادلة النصر في مواجهة الهيمنة العالمية لا تخضع للحسابات العسكرية التقليدية، بل تقوم على تكامل خمسة أعمدة رئيسية تجسدها التجربة الإيرانية:
أولها العقيدة، القائمة على تحويل المحنة إلى منحة عبر سيكولوجيا الصمود المستمدة من الإيمان كـ"وقود محرك" يغذي العمل الميداني، لا كبديل عنه.
 
 وثانيها التكتيك، القائم على الاعتماد على شبكة وكلاء إقليميين كاستراتيجية للدفاع في العمق تنقل المعركة إلى ما وراء الحدود. وثالثها الاقتصاد، عبر تطوير آليات مبتكرة للالتفاف على النظام المالي الغربي، كالتجارة بالعملات المحلية ومقايضة السلع، مع تعزيز الصناعة الوطنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي. 
 
ورابعها الجغرافيا، من خلال استثمار "ممر المقاومة" – الربط البري الاستراتيجي الممتد من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشق – وهو الترجمة المادية الملموسة لـ"عقيدة الربط" المعنوية. وخامسها الأمن، باعتماد مبدأ "الغموض البناء" والسرية التامة في حماية المشاريع الحيوية، مستلهماً من الدرس القرآني {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.
 
ما يميز النموذج الإيراني أنه لا يعول على المعجزات الغيبية، بل يحول الإيمان إلى وقود محرك يغذي الابتكار التقني والصبر الاستراتيجي. فالسنن الإلهية تمثل المحرك الذي يمنح اليقين بوعد الله، لكن آلية تحقيق هذا الوعد تمر عبر عمل ميداني ممنهج: تطوير صناعة صواريخ محلية، بناء اقتصاد مقاوم، وإدارة شبكة إقليمية من الحلفاء.
 
تثبت التجربة الإيرانية أن المستضعفين قادرون على تحويل نقاط ضعفهم إلى قوة لا تُقهر، عندما يجمعون بين إيمان عملي يتحول إلى دافع للابتكار لا إلى تواكل، وثبات نفسي مستمد من وعد الله يتجلى في صبر استراتيجي على المكاره، واحترافية أمنية في التخطيط والتنفيذ تحول السرية إلى سلاح، واستثمار ذكي للجغرافيا يحول الممرات البرية إلى شرايين حياة للمقاومة.
 
نداء أخير للمستضعفين في كل مكان: درس إيران اليوم هو تطبيق عملي للعقيدة الإلهية. من يفهم السنن الإلهية كمحرك، ويصبر، ويعمل وفق قوانين الكون التي وضعها الله كآلية، يجعل من كل تهديد استكباري هزيمة محتومة. النصر حليف من ربط الله على قلبه، ثم ربط إرادته بعمل دؤوب لا يعرف المستحيل، مستثمراً كل أداة متاحة: من الجغرافيا إلى الاقتصاد، ومن التكتيك العسكري إلى الابتكار التكنولوجي.